ابو البركات
239
الكتاب المعتبر في الحكمة
وموت فإن لم نسم الحياة الا ما كان معها حس وحركة إرادية فلا - فأما الموت فقد ظن قوم ان الشجر لا يموت كما يموت الحيوان موتا ضروريا بل يمكن ان يبقى منه شيء ابدا لما يرونه من طول بقائه وذلك محال لما نراه من انتقال خضرته ورطوبته إلى اليبس أو لا فأولا حتى يصير اليابس القديم منه ساقا وتصير الأغصان المستجدة في القابلة أرضا وكالأرض وعرقا وكالعرق فتجتذب منه وتغتذى وتنشأ وتنمى ثم ييبس الثاني في القابلة ويصير المستجد كذلك أيضا ثم لا يخلو الساق من الغذاء ولكن ليس كالأغصان فتراه ينمو ويغلظ ويطول كلما جاء ويقل ذلك في أسفله أولا فأولا حتى يكاد ان يعدم أسفل الشجرة أو تقل زيادته ويزداد من أعاليه طولا وهذا الطول يزداد مع السنين ويقل في السنين فجملته في السنة الآتية أكثر من الجملة في الأولى وزيادته في الثانية أقل من زيادته في الأولى ولا تزال الزيادة تقل أولا فأولا حتى تضعف الأغصان لبعد المسافة وعجز الجاذبة عن الجذب منها لبعدها وتتناقص أولا فأولا حتى ينقطع خروجها ويفنى . هذا هو القياس فإن لم نجده لطول السنين فلا عجب والشجر في الجبال تطول اعمارها لا تصال موادها وتشابه أحوالها الا ان اثر الشيخوخة والموت يرى فيها على ما قلنا ولولا ان الشجر كله قابل للفساد والفناء لما احتاج شخصه إلى التوليد الحافظ للنوع لكنه كله مولد في العقد والثمر فان العقدة أم الشجرة وبذولها إذا حضنته الأرض نبت فيها ونشأ وكذلك الثمر والعقد في الشجرة لقلع السيول وهد الجبال وسيلان الرمال وخسوف الاغوار إذا انقلعت فيه الشجر نقلها من مكان إلى مكان فوقعت على الأرض غطتها الرياح والسيول بالتراب فصارت الأرض لها حاضنة فأنشأت من عقدها شجرا والثمر تحمله الرياح والسيول كذلك من ارض إلى أخرى فتحضنه الأرض أيضا وينبت شجرا فإذا انقطعت المواد من ارض واستقلعت أشجارها خلفتها ثمارها المحمولة بالرياح والسيول إلى أراضي أخرى في حفظ أنواعها . ومن النبات ما يتوزع فيه التوليد على الذكر والأنثى كالنخل فإنه يجرى الذكر منه